العيني

48

عمدة القاري

فلم يلتحق بها لا في النوع ولا في الحكم ، ألا يرى أن مملك مالكه باقٍ عليه ، وهو قول سعيد بن المسيب أيضاً ، وقال مالك : ليس في الحديث أن السهم قتله ، وإنما قال : حبسه ، ثم بعد أن حبسه صار مقدوراً عليه ، فلا يؤكل إلاَّ بالذبح ، ولا فرق بين أن يكون وحشياً أو إنسياً . وقوله : ( فاصنعوا به هكذا ) ، قال مالك : نقول بموجبه ، أي : نرميه ونحبسه فإن أدركناه حياً ذكيناه ، وإن تلف بالرمي فهل نأكله أو لا ؟ وليس في الحديث تعيين أحدهما ، فلحق بالمجملات ، فلا ينهض حجة . وقالوا : في حديث أبي العشراء ليس بصحيح ، لأن الترمذي قال فيه ما ذكرناه الآن . وقال أبو داود : لا يصلح هذا إلاَّ في المتردية والمستوحشة ، قالوا : ولئن سلمنا صحته لما كان فيه حجة ، إذ مقتضاة جواز الذكاة في أي عضو كان مطلقاً في المقدور على تذكيته وغيره ، ولا قائل به في المقدور عليه ، فظاهره ليس بمراد قطعاً ، وقال شيخنا ، رحمه الله : ليس العمل على عموم هذا الحديث . ولعله خرج جواباً بالسؤال عن المتوحش والمتردي الذي لا يقدر على ذبحه ، وقد روى أبو الحسن الميموني أنه سأل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث ، فقال : هو عندي غلط . قلت : فما تقول ؟ قال : أما أنا فلا يعجبني ولا أذهب إليه إلاَّ في موضع ضرورة ، كيف ما أمكنتك الذكاة لا يكون إلاَّ في الحلق أو اللبة ، قال : فينبغي للذي يذبح أن يقطع الحلق أو اللبة . قلت : روى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع عن ابن عمر : أن بعيراً تردى في بئر بالمدينة ، فلم يقدر على منحره ، فوجىء بسكين من قبل خاصرته ، فأخذ منه ابن عمر عشيراً بدرهمين . العشير : لغة في العشر : كالنصيف والنصف . وقيل : العشير الإمعاء ، ومع هذا قول الجماعة الذين ذكرناهم من الصحابة والتابعين فيه الكفاية في الاحتجاج به . الرابع : فيه : من شرط الذكاة إنهار الدم ، ولم يخص بشيء من العروق في شيء من الكتب الستة إلاَّ في رواية رواها ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) من رواية من لم يسم عن رافع بن خديج ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الذبيحة بالليطة ، فقال : كل ما فرى الأوداج إلاَّ السن أو الظفر ، ولا شك أن ذلك مخصوص بمكان الذبح والنحر لغلبة الدم فيه ، ولكونه أسرع إلى إزهاق نفس الحيوان وإراحته من التعذيب . واختلف العلماء فيما يجب قطعه في الذبح ، وهو أربعة : الحلقوم والمرىء والودجان فاشترط قطع الأربعة : الليث وداود وأبو ثور وابن المنذر من أصحاب الشافعي ومالك في رواية ، ولو اكتفى الشافعي وأحمد في المشهور عنه بقطع الحلقوم والمريء فقط ، واكتفى مالك بالحلقوم والودجين ، واكتفى أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية بقطع ثلاثة من الأربعة ، وعن أبي يوسف : اشتراط الحلقوم واثنين من الثلاثة الباقية ، وعنه أيضاً اشتراط الحلقوم والمري وأحد الودجين ، واشترط محمد بن الحسن أكثر كل واحد من الأربعة . الخامس : فيه اشتراط التسمية لأنه قرنها بالذكاة وعلق الإباحة عليها ، فقد صار كل واحد منهما شرطاً وهو حجة على الشافعي في عدم اشتراط التسمية ، فقال : لو ترك التسمية عامداً أو ناسياً ، تؤكل ذبيحته ، وبه قال أحمد في رواية . وقال صاحب ( الهداية ) : قال مالك : لا يؤكل في الوجهين . قلت : ليس كذلك مذهبه ، بل مذهبه ما ذكره ابن قدامة في ( المغني ) : أن عند مالك يحل إذا تركها ناسياً ، ولا يحل إذا تركها عامداً . قلت : هذا هو مثل مذهبنا ، فإن عندنا إذا تركها عامداً فالذبيحة ميتة لا تؤكل ، وإن تركها ناسياً أكل ما ذبحه ، والمشهور عن أحمد مثل قولنا ، ومذهبنا مروي عن ابن عباس وطاووس وابن المسيب والحسن والثوري وإسحاق وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وفي التفسير في سورة الأنعام وداود بن علي يحرم متروك التسمية ناسياً ، وقال في ( النوازل ) : وفي قول بشر لا يؤكل إذا ترك التسمية عامداً أو ناسياً . وقال القدوري في ( شرحه لمختصر الكرخي ) : وقد اختلف الصحابة في النسيان ، فقال علي وابن عباس : إذا ترك التسمية أكل ، وقال ابن عمر : لا يؤكل ، والخلاف في النسيان يدل على اتفاقهم في العمد . فإن قلت : كيف صورة متروك التسمية عمداً ؟ قلت : أن يعلم أن التسمية شرط وتركها مع ذكرها ، أما لو تركها من لم يعلم باشتراطها فهو في حكم الناسي ، ذكره في ( الحقائق ) وكذلك الحكم على الخلاف إذا تركها عمداً عند إرسال البازي والكلب والرمي ، قال صاحب ( الهداية ) : وهذا القول من الشافعي مخالف للإجماع ، لأنه لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامداً ، وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسياً . والحديث الذي رواه الدارقطني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المسلم يكفيه اسمه ، فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم وليذكر اسم الله ثم ليأكل ) . حديث ضعيف لأن في سنده محمد بن يزيد بن سنان ، قالوا : كان صدوقاً ، ولكن كان شديد الغفلة . وقال ابن القطان : وفي سنده معقل بن عبد الله وهو وإن كان من رجال مسلم لكنه أخطأ في رفع هذا الحديث ، وقد رواه سعيد بن منصور وعبد الله